فصل: فصلٌ: (فيمن نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية (نسخة منقحة)



.بَابُ الْجِنَايَاتِ:

(وَإِذَا تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، فَإِنْ طَيَّبَ عُضْوًا كَامِلًا فَمَا زَادَ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّأْسِ وَالسَّاقِ وَالْفَخِذِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَكَامَلُ بِتَكَامُلِ الِارْتِفَاقِ، وَذَلِكَ فِي الْعُضْوِ الْكَامِلِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَمَالُ الْمُوجِبِ (وَإِنْ طَيَّبَ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ) لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ بِقَدْرِهِ مِنْ الدَّمِ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ، وَفِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ إذَا طَيَّبَ رُبْعَ الْعُضْوِ فَعَلَيْهِ دَمٌ اعْتِبَارًا بِالْحَلْقِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ وَاجِبُ الدَّمِ يَتَأَدَّى بِالشَّاةِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ نَذْكُرُهُمَا فِي بَابِ الْهَدْيِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَكُلُّ صَدَقَةٍ فِي الْإِحْرَامِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ إلَّا مَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْجَرَادَةِ) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ: (فَإِنْ خَضَبَ رَأْسَهُ بِحِنَّاءٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ)، لِأَنَّهُ طِيبٌ.
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «الْحِنَّاءُ طِيبٌ» وَإِنْ صَارَ مُلَبَّدًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ دَمٌ لِلتَّطَيُّبِ وَدَمٌ لِلتَّغْطِيَةِ (وَلَوْ خَضَّبَ رَأْسَهُ بِالْوَسْمَةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِطِيبٍ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ إذَا خَضَّبَ رَأْسَهُ بِالْوَسْمَةِ لِأَجْلِ الْمُعَالَجَةِ مِنْ الصُّدَاعِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُغَلِّفُ رَأْسَهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، ثُمَّ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الرَّأْسِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَدَلَّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ (فَإِنْ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَا: عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الشَّعْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِزَالَةِ الشَّعَثِ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِانْعِدَامِهِ.
وَلَهُمَا أَنَّهُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ إلَّا أَنَّ فِيهِ ارْتِفَاقًا بِمَعْنَى قَتْلِ الْهَوَامِّ وَإِزَالَةِ الشَّعَثِ فَكَانَتْ جِنَايَةً قَاصِرَةً.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ أَصْلُ الطِّيبِ وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ طِيبٍ، وَيَقْتُلُ الْهَوَامَّ وَيُلَيِّنُ الشَّعْرَ، وَيُزِيلُ التَّفَثَ وَالشَّعَثَ فَتَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ فَتُوجِبُ الدَّمَ، وَكَوْنُهُ مَطْعُومًا لَا يُنَافِيهِ كَالزَّعْفَرَانِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الزَّيْتِ الْبَحْتِ وَالْخَلِّ الْبَحْتِ.
أَمَّا الْمُطَيِّبُ مِنْهُ كَالْبَنَفْسَجِ وَالزَّنْبَقِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا يَجِبُ بِاسْتِعْمَالِهِ الدَّمُ بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ طِيبٌ، وَهَذَا إذَا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ (وَلَوْ دَاوَى بِهِ جُرْحَهُ أَوْ شُقُوقَ رِجْلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ)، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ فِي نَفْسِهِ إنَّمَا هُوَ أَصْلُ الطِّيبِ أَوْ هُوَ طِيبٌ مِنْ وَجْهٍ فَيُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَدَاوَى بِالْمِسْكِ وَمَا أَشْبَهَهُ.
الشرح:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الْحِنَّاءُ طِيبٌ».
قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ فِي الْحَجِّ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ عَنْ أُمِّهَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ: لَا تَطَيَّبِي وَأَنْتِ مُحْرِمَةٌ، وَلَا تَمَسِّي الْحِنَّاءَ، فَإِنَّهُ طِيبٌ»، انْتَهَى.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ ابْنَ لَهِيعَةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. انْتَهَى.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ خَوْلَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَطَيَّبِي وَأَنْتِ مُحْرِمَةٌ، وَلَا تَمَسِّي الْحِنَّاءَ فَإِنَّهُ طِيبٌ»، انْتَهَى.
وَعَزَاهُ السُّرُوجِيُّ فِي الْغَايَةِ إلَى النَّسَائِيّ، وَلَفْظُهُ: «نَهَى الْمُعْتَدَّةَ عَنْ التَّكَحُّلِ، وَالدُّهْنِ، وَالْخِضَابِ بِالْحِنَّاءِ»، وَقَالَ: «الْحِنَّاءُ طِيبٌ»، انْتَهَى.
وَأَعَادَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْعِدَّةِ بِزِيَادَةٍ.
(وَإِنْ) (لَبِسَ ثَوْبًا مَخِيطًا أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ يَوْمًا كَامِلًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ إذَا لَبِسَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوَّلًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ الدَّمُ بِنَفْسِ اللُّبْسِ، لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ يَتَكَامَلُ بِالِاشْتِمَالِ عَلَى بَدَنِهِ وَلَنَا أَنَّ مَعْنَى التَّرَفُّقِ مَقْصُودٌ مِنْ اللُّبْسِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمُدَّةِ لِيَحْصُلَ عَلَى الْكَمَالِ وَيَجِبُ الدَّمُ، فَقُدِّرَ بِالْيَوْمِ، لِأَنَّهُ يُلْبَسُ فِيهِ ثُمَّ يُنْزَعُ عَادَةً، وَتَتَقَاصَرُ فِيمَا دُونَهُ الْجِنَايَةُ فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَقَامَ الْأَكْثَرَ مَقَامَ الْكُلِّ (وَلَوْ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ أَوْ اتَّشَحَ بِهِ أَوْ ائْتَزَرَ بِالسَّرَاوِيلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ)، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ لُبْسَ الْمَخِيطِ.
(وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقَبَاءِ وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ) خِلَافًا لِزُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ، لِأَنَّهُ مَا لَبِسَهُ لُبْسَ الْقَبَاءِ، وَلِهَذَا يَتَكَلَّفُ فِي حِفْظِهِ.
وَالتَّقْدِيرُ فِي تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ مَا بَيَّنَّاهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا غَطَّى جَمِيعَ رَأْسِهِ يَوْمًا كَامِلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ.
وَلَوْ غَطَّى، بَعْضَ رَأْسِهِ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الرُّبْعَ اعْتِبَارًا بِالْحَلْقِ وَالْعَوْرَةِ وَهَذَا، لِأَنَّ سَتْرَ الْبَعْضِ اسْتِمْتَاعٌ مَقْصُودٌ يَعْتَادُهُ بَعْضُ النَّاسِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ أَكْثَرَ الرَّأْسِ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ (وَإِذَا حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ أَوْ رُبْعَ لِحْيَتِهِ فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ).
وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَجِبُ إلَّا بِحَلْقِ الْكُلِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، يَجِبُ بِحَلْقِ الْقَلِيلِ اعْتِبَارًا بِنَبَاتِ الْحَرَمِ.
وَلَنَا أَنَّ حَلْقَ بَعْضَ الرَّأْسِ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ، لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ فَتَتَكَامَلُ بِهِ الْجِنَايَةُ وَتَتَقَاصَرُ فِيمَا دُونَهُ بِخِلَافِ تَطَيُّبِ رُبْعِ الْعُضْوِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَكَذَا حَلْقُ بَعْضِ اللِّحْيَةِ مُعْتَادٌ بِالْعِرَاقِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ (وَإِنْ حَلَقَ الرَّقَبَةَ كُلَّهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ)، لِأَنَّهُ عُضْوٌ مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ (وَإِنْ حَلَقَ الْإِبِطَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَعَلَيْهِ دَمٌ)، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ لِدَفْعِ الْأَذَى وَنَيْلِ الرَّاحَةِ فَأَشْبَهَ الْعَانَةَ.
ذُكِرَ فِي الْإِبِطَيْنِ الْحَلْقُ هَاهُنَا وَفِي الْأَصْلِ النَّتْفُ، وَهُوَ السُّنَّةُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ (إذَا حَلَقَ عُضْوًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَطَعَامٌ) أَرَادَ بِهِ الصَّدْرَ وَالسَّاقَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِطَرِيقِ التَّنُّورِ فَتَتَكَامَلُ بِحَلْقِ كُلِّهِ وَتَتَقَاصَرُ عِنْدَ حَلْقِ بَعْضِهِ (وَإِنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ فَعَلَيْهِ طَعَامُ حُكُومَةِ عَدْلٍ) وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْظُرُ أَنَّ هَذَا الْمَأْخُوذَ كَمْ يَكُونُ مِنْ رُبْعِ اللِّحْيَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ بِحَسَبِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ كَانَ مَثَلًا مِثْلَ رُبْعِ الرُّبْعِ تَلْزَمُهُ قِيمَةُ رُبْعِ الشَّاةِ.
وَلَفْظَةُ الْأَخْذِ مِنْ الشَّارِبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ السُّنَّةُ فِيهِ دُونَ الْحَلْقِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُصَّ حَتَّى يُوَازِيَ الْإِطَارَ.
قَالَ: (وَإِنْ حَلَقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) رَحِمَهُ اللَّهُ (وَقَالَا: عَلَيْهِ صَدَقَةٌ)، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِقُ لِأَجْلِ الْحِجَامَةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ، فَكَذَا مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَيْهَا إلَّا أَنَّ فِيهِ إزَالَةُ شَيْءٍ مِنْ التَّفَثِ فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ حَلْقَهُ مَقْصُودٌ، لِأَنَّهُ لَا يُتَوَسَّلُ إلَى الْمَقْصُودِ إلَّا بِهِ وَقَدْ وَجَدَ إزَالَةَ التَّفَثِ عَنْ عُضْوٍ كَامِلٍ فَيَجِبُ الدَّمُ (وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَعَلَى الْحَالِقِ الصَّدَقَةُ وَعَلَى الْمَحْلُوقِ دَمٌ).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَجِبُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ بِأَنْ كَانَ نَائِمًا، لِأَنَّ مِنْ أَضَلِّهِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يُخْرِجُ الْمُكْرَهَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُؤَاخَذًا بِحُكْمِ الْفِعْلِ، وَالنَّوْمُ أَبْلَغُ مِنْهُ وَعِنْدَنَا بِسَبَبِ النَّوْمِ وَالْإِكْرَاهِ يَنْتَفِي الْمَأْثَمُ دُونَ الْحُكْمِ وَقَدْ تَقَرَّرَ سَبَبُهُ، وَهُوَ مَا نَالَ مِنْ الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ حَتْمًا بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ حَيْثُ يَتَخَيَّرُ، لِأَنَّ الْآفَةَ هُنَاكَ سَمَاوِيَّةٌ وَهَهُنَا مِنْ الْعِبَادِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمَحْلُوقُ رَأْسَهُ عَلَى الْحَالِقِ، لِأَنَّ الدَّمَ إنَّمَا لَزِمَهُ بِمَا نَالَ مِنْ الرَّاحَةِ فَصَارَ كَالْمَغْرُورِ فِي حَقِّ الْعَقْرِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْحَالِقُ حَلَالًا لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِي حَقِّ الْمَحْلُوقِ رَأْسَهُ، وَأَمَّا الْحَالِقُ تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَلَالٍ.
لَهُ أَنَّ مَعْنَى الِارْتِفَاقِ لَا يَتَحَقَّقُ بِحَلْقِ شَعْرِ غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُوجِبُ.
وَلَنَا أَنَّ إزَالَةَ مَا يَنْمُو مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْأَمَانَ بِمَنْزِلَةِ نَبَاتِ الْحَرَمِ، فَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ شَعْرِهِ وَشَعْرِ غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ كَمَالَ الْجِنَايَةِ فِي شَعْرِهِ (فَإِنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبٍ حَلَالٍ أَوْ قَلَّمَ أَظَافِيرَهُ أَطْعَمَ مَا شَاءَ) وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا، وَلَا يُعَرَّى عَنْ نَوْعِ ارْتِفَاقٍ، لِأَنَّهُ يَتَأَذَّى بِتَفَثِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ التَّأَذِّي بِتَفَثِ نَفْسِهِ فَيَلْزَمُهُ الطَّعَامُ (وَإِنْ قَصَّ أَظَافِيرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ)، لِأَنَّهُ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ وَإِزَالَةِ مَا يَنْمُو مِنْ الْبَدَنِ، فَإِذَا قَلَّمَهَا كُلَّهَا فَهُوَ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ (وَلَا يُزَادُ عَلَى دَمٍ إنْ حَصَلَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ)، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّدَاخُلِ فَأَشْبَهَ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ إلَّا إذَا تَخَلَّلَتْ الْكَفَّارَةُ لِارْتِفَاعِ الْأُولَى بِالتَّكْفِيرِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَجِبُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ إنْ قَلَّمَ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ يَدًا أَوْ رِجْلًا، لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَيَتَقَيَّدُ التَّدَاخُلُ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ كَمَا فِي آيِ السَّجْدَةِ (وَإِنْ قَصَّ يَدًا أَوْ رِجْلًا فَعَلَيْهِ دَمٌ) إقَامَةً لِلرُّبْعِ مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا فِي الْحَلْقِ (وَإِنْ قَصَّ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَظَافِيرَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) مَعْنَاهُ تَجِبُ بِكُلِّ ظُفْرٍ صَدَقَةٌ.
وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ الدَّمُ بِقَصِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ فِي أَظَافِيرِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ دَمًا، وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا، وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ أَنَّ أَظَافِيرَ كَفٍّ وَاحِدٍ أَقَلُّ مَا يَجِبُ الدَّمُ بِقَلْمِهِ، وَقَدْ أَقَمْنَاهَا مَقَامَ الْكُلِّ فَلَا يُقَامُ أَكْثَرُهَا مَقَامَ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى (وَإِنْ قَصَّ خَمْسَةَ أَظَافِيرَ مُتَفَرِّقَةً مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) رَحِمَهُ اللَّهُ (عَلَيْهِ دَمٌ)
اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ قَصَّهَا مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ وَبِمَا إذَا حَلَقَ رُبْعَ الرَّأْسِ مِنْ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ.
وَلَهُمَا أَنَّ كَمَالَ الْجِنَايَةِ بِنَيْلِ الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ وَبِالْقَلْمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَتَأَذَّى وَيَشِينُهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْحَلْقِ، لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ عَلَى مَا مَرَّ.
وَإِذَا تَقَاصَرَتْ الْجِنَايَةُ تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ فَيَجِبُ بِقَلْمِ كُلِّ ظُفْرٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَكَذَلِكَ لَوْ قَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ مُتَفَرِّقًا إلَّا أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ دَمًا فَحِينَئِذٍ يُنْقِصُ عَنْهُ مَا شَاءَ.
قَالَ: (وَإِنْ انْكَسَرَ ظُفْرُ الْمُحْرِمِ وَتَعَلَّقَ فَأَخَذَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، لِأَنَّهُ لَا يَنْمُو بَعْدَ الِانْكِسَارِ فَأَشْبَهَ الْيَابِسَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ (وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ مَخِيطًا أَوْ حَلَقَ مِنْ عُذْرٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعَ مِنْ الطَّعَامِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وَكَلِمَةُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ، وَقَدْ فَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَا ذَكَرْنَا وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمَعْذُورِ، ثُمَّ الصَّوْمُ يُجْزِئُهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فِي كُلِّ مَكَان وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عِنْدَنَا لِمَا بَيَّنَّا.
وَأَمَّا النُّسُكُ فَيَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ بِاتِّفَاقٍ، لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان، وَهَذَا الدَّمُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ فَتَعَيَّنَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَكَانِ (وَلَوْ اخْتَارَ الطَّعَامَ أَجْزَأَهُ فِيهِ التَّغْذِيَةُ وَالتَّعْشِيَةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) رَحِمَهُ اللَّهُ اعْتِبَارًا بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ.
الشرح:
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ مِنْ عُذْرٍ فَهُوَ إنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ الطَّعَامِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}، وَكَلِمَةُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ، وَقَدْ فَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذَكَرْنَا.
قُلْت: يُشِيرُ إلَى حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ، وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرِهِ، وَالْقَمْلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيك هَوَامُّك هَذِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْلِقْ رَأْسَك، وَأَطْعِمْ فَرْقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» وَالْفَرْقُ: ثَلَاثَةُ أَصْوُعٍ أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ اُنْسُكْ نَسِيكَةً، انْتَهَى.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «احْلِقْ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ»، انْتَهَى.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبًا أَيُّ شَيْءٍ افْتَدَى حِينَ حَلَقَ رَأْسَهُ؟ قَالَ: ذَبَحَ بَقَرَةً، وَفِي لَفْظٍ: فَقَالَ لِي: هَلْ عِنْدَك فَرْقٌ تَقْسِمُهُ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ؟، وَالْفَرْقُ: ثَلَاثَةُ آصُعٍ، أَوْ اُنْسُكْ شَاةً، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خِرْ لِي، قَالَ: أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، وَفِي لَفْظٍ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعْت؟ قَالَ: ذَبَحْت شَاةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ: «أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمًا، فَقَمَلَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ، فَدَعَا الْحَلَّاقَ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ عِنْدَك نُسُكٌ؟ قَالَ: مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ خَاصَّةً: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ}، ثُمَّ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» انْتَهَى.
وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: «قَعَدْت إلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَأَلْته عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} فَقَالَ كَعْبٌ: فِي نَزَلَتْ، كَانَ بِي أَذًى مِنْ رَأْسِي، فَحُمِلْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: مَا كُنْت أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْك مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟ فَقُلْت: لَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ نِصْفَ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِي خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً»، انْتَهَى.

.فصلٌ: (فيمن نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى):

(فَإِنْ) (نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْجِمَاعُ وَلَمْ يُوجَدْ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَفَكَّرَ فَأَمْنَى (وَإِنْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَقُولُ إذَا مَسَّ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَفْسُدُ إحْرَامُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إذَا أَنْزَلَ وَاعْتَبَرَهُ بِالصَّوْمِ.
وَلَنَا أَنَّ فَسَادَ الْحَجِّ يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ، وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ بِسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ، وَهَذَا لَيْسَ بِجِمَاعٍ مَقْصُودٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ إلَّا أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِمْتَاعِ وَالِارْتِفَاقِ بِالْمَرْأَةِ، وَذَلِكَ مَحْظُورُ الْإِحْرَامِ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِيهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ وَلَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْإِنْزَالِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ.
(وَإِنْ جَامَعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ شَاةٌ وَيَمْضِي فِي الْحَجِّ كَمَا يَمْضِي مَنْ لَمْ يُفْسِدْهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُئِلَ عَمَّنْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ؟ قَالَ: يُرِيقَانِ دَمًا وَيَمْضِيَانِ فِي حَجَّتِهِمَا وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِل» وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَجِبُ بَدَنَةٌ اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ إطْلَاقُ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ لَمَّا وَجَبَ وَلَا يَجِبُ إلَّا لِاسْتِدْرَاكِ الْمَصْلَحَةِ خَفَّ مَعْنَى الْجِنَايَةِ فَيُكْتَفَى بِالشَّاةِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْوُقُوفِ، لِأَنَّهُ لَا قَضَاءَ ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ مِنْهُمَا لَا يَفْسُدُ لِتَقَاصُرِ مَعْنَى الْوَطْءِ فَكَانَ عَنْهُ رِوَايَتَانِ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ فِي قَضَاءِ مَا أَفْسَدَاهُ عِنْدَنَا) خِلَافًا لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا خَرَجَا مِنْ بَيْتِهِمَا وَلِزُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا أَحْرَمَا، وَلِلشَّافِعِيِّ إذَا انْتَهَيَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ.
لَهُمْ أَنَّهُمَا يَتَذَاكَرَانِ ذَلِكَ فَيَقَعَانِ فِي الْمُوَاقَعَةِ فَيَفْتَرِقَانِ.
وَلَنَا أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ النِّكَاحُ قَائِمٌ فَلَا مَعْنَى لِلِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لِإِبَاحَةِ الْوِقَاعِ وَلَا بَعْدَهُ، لِأَنَّهُمَا يَتَذَاكَرَانِ مَا لَحِقَهُمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ بِسَبَبِ لَذَّةٍ يَسِيرَةٍ فَيَزْدَادَانِ نَدَمًا وَتَحَرُّزًا فَلَا مَعْنَى لِلِافْتِرَاقِ.
الشرح:
فصل:
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: رُوِيَ «أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُئِلَ عَمَّنْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ، قَالَ: يُرِيقَانِ دَمًا، وَيَمْضِيَانِ فِي حَجِّهِمَا، وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ».
قُلْت: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنْبَأَ يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ، أَوْ زَيْدُ بْنُ نُعَيْمٍ شَكَّ أَبُو تَوْبَةَ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُذَامٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَسَأَلَ الرَّجُلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَاهْدِيَا هَدْيًا» انْتَهَى.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ بِلَا شَكٍّ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ نُعَيْمٍ مَجْهُولٌ، وَيَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ ثِقَةٌ، وَقَدْ شَكَّ أَبُو تَوْبَةَ، وَلَا يُعْلَمُ عَمَّنْ هُوَ مِنْهُمَا، وَلَا عَمَّنْ حَدَّثَهُمْ بِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فَهُوَ لَا يَصِحُّ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُذَامٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَسَأَلَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُمَا: أَتِمَّا حَجَّكُمَا، ثُمَّ ارْجِعَا وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى، فَإِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا، فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا، وَلَا يَرَى وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ أَتِمَّا نُسُكَكُمَا وَأَهْدِيَا» انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَفِي هَذَا: أَنَّهُ أَمَرَهُمَا بِالتَّفَرُّقِ فِي الْعَوْدَةِ لَا فِي الرُّجُوعِ، وَحَدِيثُ الْمَرَاسِيلِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْهُ، قَالَ: وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ بِابْنِ لَهِيعَةَ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ثَنَا أَيُّوبُ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا الْأَزْدِيَّ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ عُمَانَ، أَقْبَلَا حَاجَّيْنِ، فَقَضَيَا الْمَنَاسِكَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمَا إلَّا الْإِفَاضَةُ، وَقَعَ عَلَيْهَا، فَسَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لِيَحُجَّا عَامًا قَابِلًا، انْتَهَى.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَأَلْت الْحَسَنَ عَنْ رَجُلٍ غَشِيَ امْرَأَتَهُ بَعْدَمَا رَمَى الْجَمْرَةَ، وَحَلَقَ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}، قَالَ: عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ يَعْنِي الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ فَمَنْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ.
قُلْت: رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ، فَقَالُوا: يُنَفِّذَانِ تَوَجُّهَهُمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا، ثُمَّ عَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَالْهَدْيُ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: فَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا، انْتَهَى.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ بُكَيْر عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ بَلَاغٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي مُحْرِمٍ بِحَجَّةٍ أَصَابَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ: يَقْضِيَانِ حَجَّهُمَا، وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ مِنْ حَيْثُ كَانَا أَحْرَمَا، وَيَتَفَرَّقَانِ حَتَّى يُتِمَّا حَجَّهُمَا، قَالَ: وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ عَطَاءٍ، وَعُمَرَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: سَأَلْت مُجَاهِدًا عَنْ الْمُحْرِمِ يُوَاقِعُ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
فَقَالَ: يَقْضِيَانِ حَجَّهُمَا، ثُمَّ يَرْجِعَانِ حَلَالًا، فَإِذَا كَانَ مِنْ قَابِلٍ حَجَّا وَأَهْدَيَا، وَتَفَرَّقَا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُمَا، انْتَهَى.
أَثَرٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَسَأَلَهُ عَنْ مُحْرِمٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ، فَأَشَارَ لَهُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ الرَّجُلُ، قَالَ: فَذَهَبْت مَعَهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ مُحْرِمٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ. قَالَ: بَطَلَ حَجُّهُ، قَالَ: فَيَقْعُدُ؟، قَالَ: لَا، بَلْ يَخْرُجُ مَعَ النَّاسِ، فَيَصْنَعُ مَا يَصْنَعُونَ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَابِلٌ حَجَّ، وَأَهْدَى، فَرَجَعَا إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَأَخْبَرَاهُ، فَأَرْسَلَنَا إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ شُعَيْبٌ: فَذَهَبْت مَعَهُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَا، انْتَهَى.
وَعَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَعَنْ الْحَاكِمِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ سَمَاعِ شُعَيْبٍ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَمِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ فِي الْإِمَامِ: رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ مَشْهُورُونَ، انْتَهَى.
أَثَرٌ آخَرُ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ، فَإِذَا حَجَّا مِنْ قَابِلٍ تَفَرَّقَا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُمَا، انْتَهَى.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إنِّي وَقَعْت عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِحَجِّكُمَا، امْضِيَا لِوَجْهِكُمَا، وَعَلَيْكُمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، فَإِذَا انْتَهَيْت إلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَاقَعْت فِيهِ فَتَفَرَّقَا، ثُمَّ لَا تَجْتَمِعَا حَتَّى تَقْضِيَا حَجَّكُمَا، انْتَهَى.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ رَجُلًا اسْتَفْتَى جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ، وَالْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ أَهَلَّا بِالْحَجِّ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَا: يُتِمَّانِ حَجَّهُمَا، وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَيْسَرَةٍ أَهْدَى جَزُورًا، انْتَهَى.
(وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) (لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ).
خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا جَامَعَ قَبْلَ الرَّمْيِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» وَإِنَّمَا تَجِبُ الْبَدَنَةُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَوْ لِأَنَّهُ أَعْلَى أَنْوَاعِ الِارْتِفَاقِ فَيَتَغَلَّظُ مُوجِبُهُ (إنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِبَقَاءِ إحْرَامِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ دُونَ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَمَا أَشْبَهَ فَخَفَّتْ الْجِنَايَةُ فَاكْتُفِيَ بِالشَّاةِ.
الشرح:
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»، تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا تَجِبُ الْبَدَنَةُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قُلْت: يُشِيرُ إلَى حَدِيثٍ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ، وَهُوَ بِمِنًى، قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً، انْتَهَى.
وَالْمُصَنِّفُ قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ: مَنْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ جُنُبًا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ قَضَى الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَزُرْ الْبَيْتَ حَتَّى وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ، قَالَ: عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، انْتَهَى.
وَرَوَى أَيْضًا: حَدَّثَنَا ابْنُ الْفُضَيْلِ، وَسَلَّامٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَجُلٌ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ، بَعِيدُ الشُّقَّةِ، قَلِيلُ ذَاتِ الْيَدِ، قَضَيْت الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَزُرْ الْبَيْتَ حَتَّى وَقَعْت عَلَى امْرَأَتِي، فَقَالَ: بَدَنَةٌ، وَحَجٌّ مِنْ قَابِلٍ. انْتَهَى.
(وَمَنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ فَيَمْضِيَ فِيهَا وَيَقْضِيَهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِذَا جَامَعَ بَعْدَمَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ وَلَا تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَفْسُدُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ اعْتِبَارًا بِالْحَجِّ إذْ هِيَ فَرْضٌ عِنْدَهُ كَالْحَجِّ، إنَّهَا سُنَّةٌ فَكَانَتْ أَحَطَّ رُتْبَةً مِنْهُ فَتَجِبُ الشَّاةُ فِيهَا وَالْبَدَنَةُ فِي الْحَجِّ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ.
(وَمَنْ جَامَعَ نَاسِيًا كَانَ كَمَنْ جَامَعَ مُتَعَمِّدًا).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: جِمَاعُ النَّاسِي غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْحَجِّ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي جِمَاعِ النَّائِمَةِ وَالْمُكْرَهَةِ، هُوَ يَقُولُ الْحَظْرُ يَنْعَدِمُ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ فَلَمْ يَقَعْ الْفِعْلُ جِنَايَةً.
وَلَنَا أَنَّ الْفَسَادَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الِارْتِفَاقِ فِي الْإِحْرَامِ ارْتِفَاقًا مَخْصُوصًا وَهَذَا لَا يَنْعَدِمُ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ، وَالْحَجُّ لَيْسَ فِي مَعْنَى الصَّوْمِ، لِأَنَّ حَالَاتِ الْإِحْرَامِ مُذَكِّرَةٌ بِمَنْزِلَةِ حَالَاتِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.